عفوًا لست خائنا!

منذ أن اخترت الترجمة طريقًا ودربًا لي، لم تفارق ذهني عبارة:

” Translator is a traitor..  المترجم خائن “

والحقيقة إن هذه العبارة كانت تؤلمني فعلًا؛ لأنها ببساطة ستُفسَّر بأنني أخون المتلقي بتحريف الرسالة الموجهة إليه، وأخون كذلك الكاتب بعدم حمل رسالته بأمانة إلى المتلقي. ولنفرق هنا بين التعمد، أي تحريف المحتوى المترجم مع سبق الإصرار والترصد مما يجعلك خائنًا لا محالة، وبين الخطأ في فهم المعنى ومن ثَمَّ نقله دون قصد.

ولكن هل أنت عزيزي المترجم حقًّا خائن؟!

سأحكي لك موقفًا وقعت فيه في خطيئة ” الخيانة “، ولنعرف ما الذي دفعني إلى ارتكاب هذا الفعل. كنت في أحد الاجتماعات أترجم بين شخصين، وكان النقاش متوترًا حقًّا، وبه تفاصيل كثيرة وشد وجذب؛ ولكن بما أن ” القافية تحكم “ فقد قرر أحد الطرفين، وهو رجل، مغازلة الطرف الآخر، والتي كانت سيدة أوروبيِّة جميلة. ثم انتبه أنني سمعت جيدًا ما قاله؛ فنظر لي نظرة حاسمة مفادها أن هذا المقطع ليس للترجمة! وعلى الجانب الآخر كانت السيدة تحملق فيّ تنتظر ترجمة الجملة، إذ إن هذا هو دوري في هذا الاجتماع. أحمد الله أن ألهمني مخرجًا من الموقف؛ فأتبعت ضحكات الرجل غير البريئة بضحكة بريئة من جانبي، وألفت دعابةً ظريفةً ونسبتها للرجل. تنفس الرجل الصعداء، وتنفستها أنا كذلك لخروجي من الموقف، وهكذا خنت أنا أحد الطرفين. هذا نصف الموقف فقط يا عزيزي! فقد كانت المرأة الأوروبيِّة هي عميلي؛ لذا سنحت لنا الفرصة بقية اليوم لنتأمل نتائج الاجتماع، وهنا أطلعتها على الموقف كله، ماذا قال حقيقةً، وكيف أن دعابتي كانت كذبًا.

فالسؤال الآن: هل أخطأت في المرة الأولى عندما لم أخبرها حينها وكذبت وقت الاجتماع؟ وهل أخطأت في المرة الثانية عندما أخبرتها لاحقًا بالترجمة الحقيقية؟ هل وقعت حقًّا في براثن الخيانة؟!

عزيزي القاضي، أقصد من حكم بخيانتي، فقد اعترفت بالخيانة في بداية أقوالي؛ ولكن من قال إن كل خيانة مذمومة؟ فلنحلل الموقف سويًّا ثم لتتخذ لجنة التحكيم قرارها. أولًا أنا فهمت جيدًا دعابته غير البريئة، ولكني ترجمتها على غير حقيقتها، فأنا لا أدعي أني وقعت في خطأ غير متعمد أو خطأ في الفهم، بل أعترف أني فعلت ذلك مع سبق الإصرار والترصد. ولكن قبل أن تتسرعوا في الحكم بخيانتي فلنُعِد تصور الموقف بشكل مخالف، ولنقل إنني ترجمت الدعابة غير البريئة كما هي فأدى ذلك إلى تراشق بين الطرفين، أو ربما وصل الأمر إلى إعاقة عملهم قطعيًا؛ حيث إنني كنت سأنزع ورقة الشجر عن الموقف لتظهر سوءاته. ورغم إنه كان من الممكن أن يمر الموقف بسلام وكأنه غزل لطيف، فإنه في الحقيقة لم يكن كذلك. فهل كنت سأضع الطرفين، وأنا معهم، في هذا الموقف المتأزم؟! فقد أنقذت نفسي حتمًا حينها من رد فعل الرجل وأنقذته كذلك من موقف لا يُحسد عليه، ووازنت المركب حتى تمر بسلام من هذه الموجة التي لم تأتِ في وقت مناسب. خنت عميلتي لبرهة لأنقذها من جدل لا طائل منه، وموقف محرج هي في غنى عنه، ثم أوضحت لها التفاصيل في التوقيت الذي قدّرت أنها كانت فيه على بر الأمان، ولتتخذ هي قرارها على مهل فيما يخص هذا الرجل إن كانت ستحب العمل معه مرة أخرى أم لا.

إذن هل خنت الرجل، وهو الطرف الغائب في هذه المعادلة؟

رغم إنني أنقذته وساعدته على أن يستأنف عمله دون التطرق إلى أمور جانبية كانت ستفقده مكاسب كثيرة حصل عليها في الاجتماع، فالسؤال يبقى مطروحًا: هل خنته حينما أفصحت عما سترته مسبقا؟ في الحقيقة، نعم.. رغم أني لا أشعر بأي تأنيب ضمير، فما ستندم عليه لا تقله. وكان أفضل له أن يفكر فيما يمكنه أن يقول وما لا يمكنه أن يقول قبل التفوه به. لقد أفصحت لعميلتي ليس لتيقني من خطورة الموقف، فربما أضر ذلك بعلاقتها بالطرف الآخر أو لم يضر؛ ولكن ماذا لو كان الموقف بالفعل خطيرًا؟ ماذا لو كان الأمر ليس مجرد دعابة سخيفة أو غزل في غير موضعه، وكان أمرًا سيضر بعمل عميلتي ومصالحها؟!

ليست كل خيانة يا عزيزي خيانة؛ فربما بعض الخيانات ” مشروعة “.. ولذا عليك أولًا أن تحرص على ألا تقف موقف المتهم بأن ترضي ربك وضميرك في كل عمل تقوم به.

أنت حامل رسالة عزيزي المترجم.. فإن هددك أحدهم بقطع رأسك إن نقلت رسالتك بأمانة؛ فتعلّم أن تنقذ حياتك أولًا، ثم احمل الرسالة في قلبك حتى توصلها.

عزيزي المترجم.. لا لست خائنًا!

About the Author

مي طايل

مي طايل مترجمة تحريرية تعشق القراءة، وتجد في الكتاب صديقًا لا يمل من ثرثرتها والورقة مستمعًا مخلصًا لبنات أفكارها. دخلت عالم الترجمة التتبعية والفورية حتى يقاسم الناس عبء سماعها مع كتابها وورقتها. يتكون الغلاف الجوي لحياتها من قصص وعبارات بعضها منعش كالأكسجين، وبعضها خانق كأكسيد الكربون.. ولكنها تستنشقهما معًا حتى يجري الدم في عروقها ويضخ إلى عقلها مزيدًا من الكلمات.

Read more

Comments

  1. خيانة مشروعة. …احسنتي التعبير استاذتي ?

  2. ربنا يكرمك مي أحسنتي وأصبتي ??

  3. مقالة رائعة، كنت أتمنى أن تتطرق إلى مسؤولية المترجم في وقت الحروب. هل يكون خائنًا إن أنقذ أسيرًا من الإعدام من خلال الترجمة!

    1. والله نقطة ممتازة لم أفكر فيها من قبل وسؤال دعينا نبحث له عن إجابة

  4. تشجيعك دائما يعني لي الكثير يا صديقتي العزيزة

كتابة تعليق