المكتبة الإلكترونية | ليدي لينجوا

عربيتي ..عقلي

 

                              ع  = ع

 

 عندما كنا صغارًا في تعثراتنا الأولى في المدرسة تعلمنا أن الأرقام تدرّسها معلمة الرياضيات، والحروف تدرّسها معلمة القراءة، ولو كتبنا (ح) حادّ الرسم فجعلناه (7) لعوقبنا واتصلت المعلمة بالأم لتلوم ويوجعُنا الجميع لأننا (أغبياء) لم نفرّق بين الحرف والرقم!

فمن يستطيع أن يصفَنا بذلك في عصر العولمة والإبداع في كل شيء حتى فيما لا ينبغي؟!

ألا تعرفُ يا قارئي الكريم أننا اخترعنا كل شيء ولم يتبقَّ إلا أن نخترع حروفًا ولغةً جديدة؟

ألا تعرفُ يا قارئي الكريم أننا غيّرنا وجه العالم كله واليوم نغيّر وجه اللغة؟

لا بأس بكل هذا ولكن ليقرأ من له عينان ولبّ هذا العهد:

 "النظام الأساسي للحكم، الباب الأول، المبادئ العامة، المادة الأولى: المملكة العربية السعودية دولةٌ عربية إسلامية ذات سيادة تامة؛ دينها الإسلام ودستورها كتاب الله تعالى وسنة رسوله ولغتها هي اللغة العربية، وعاصمتها مدينة الرياض"

لغتُنا هي العربية حسب الدستور - حسب النظام الأساسي للحكم - وقبل كذلك هي لغة كتاب الله عز وجل فماذا فعلنا لها؟

تقولون: لا ضرر من زوال اللغة العربية أو عدم ممارستها؟

تخيل لو أنك تقدم تعليمات ضرورية لعائلة ألمانية أو إنجليزية في خطر، وأنتِ تتحدث بلغتك، هل سينفذون تعليماتك لينجوا بحياتهم؟ سيبقى حاجز اللغة شاهقًا بينك وبينهم ولن يتمكنوا من تنفيذ تعليماتك مع حاجتهم لها.

هذا بالضبط ما يحدث للمسلمين غير المتحدثين بالعربية مع تعاليم القرآن الكريم، قلوبهم تتفطر شوقًا ولهفًا واحتياجًا لكنهم يظلون ظامئين يغبطوننا على نعمة نكفر بها.. نعمة ملَكَة اللغة العربية.

كانت الوسيلة التي نهدم بها اللغة اليوم (باختيارنا) هي ذات الوسيلة التي هُدمت بها اللغة العربية في تركيا (رغمًا عنهم) بعد انهيار الخلافة الإسلامية، هذه كانت البداية.. ففقدت الأجيال بعد ذلك صلتها بحروف القرآن الكريم حتى أصبح القرآن يُحفظ سماعًا فقط وبأشق الوسائل، وحتى أضاعت الأجيال تمامًا سبيلها لهجاء حرف من حروف العربية!

فهل غُفِل عن قول ابن تيمية: "فإن اللغة العربية نفسها من الدين ومعرفتها فرض واجب، فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يُفهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب" فبربكم.. كيف حال الأجيال الجديدة في القراءة، في الإملاء، في التعبير، في النحو؟   بربكم.. ألسنا ننحدر بإرادتنا؟ بربكم.. ألسنا نقترب من (الأمية) في ضعف القراءة والإملاء؟ بربكم.. أيرضيكم أن يُكتب القرآن بهذه الحروف الشوهاء حتى لا نفقد صلتنا به؟

عندما نتأمل في دوائر الانتماءات التي تجمع وتفرّق، التي ترسم معالم هويتنا، التي تخبرُنا وتخبر العالم من نكون سنجدُها تتدرج دائرة داخل دائرة، والدائرة الأكبر هي الوطن الأكبر والانتماء الأوسع (الإسلام)، وفي داخلها دائرة أصغر - وطنٌ أصغر- لكنه واسع جدًا (اللغة العربية)، وفي داخلها دائرة أصغر، دائرة غالية، دائرة الوطن الذي أنبتتنا أرضه ونحملُ بصماته (البلد)، وفي داخله دائرة (المنطقة)، ودائرة (المدينة)، ودائرة (القبيلة) أو (الأسرة)، ولو أمعنا  النظر في هذا الشكل لوجدنا أن الحفاظ على الدوائر الأكبر سيحمي بالضرورة الدوائر الأصغر، لكننا ضيقو النظر!

لقد قال التابعي الجليل قتادة رحمه الله: "لا أسأل عن عقلِ رجلٍ لم يدلّه عقله على أن يتعلم من العربية ما يصلح به لسانه"، أين أنت يا قتادة من عصرٍغدا به متعلمُ العربية مضيعًا لمستقبله، ومتحدث العربية مُضحكًا، والداعي للعناية بالعربية متعصبًا وداعيًا للتخلف والرجعية، والذي يسأل عن اللغة (يتفلسف ودافور)، والذي يحترم العربية (موسوسًا)؟ يا قتادة أنت لا تصف المرء بالعقل ما لم يستخدم عقله ليصلح عربيته، وعصرنا لا يصف المرء بالعقل ما لم يلوث لسانه بِرُقع اللغات كلها!

يا قتادة.. يُحكى أنّ الإنجليزية حاجة مُلحّة في هذا الزمن؛ لذا تُدرّسُ أغلب العلوم في الجامعات بها ويُسعى إلى ذلك في التعليم العام أيضًا، ويُحكى أيضًا أن الصين كان لديها هاجس نقل التقنية، فاستطاعت أن تنفتح على العصر دون أن تفقد لغتها القومية، واليابان رغم هزيمتها في الحرب العالمية الثانية لم تنسق للغة القوي بل بنت نهضتها الصناعية والثقافية على أساس متين من لغتها الأصيلة، وفي فرنسا نادى المجمع العلمي الفرنسي بإبطال كلمةٍ إنجليزية تسللت إلى الفرنسية من أثر الحرب العالمية، وعدّها المجمع نكبة على اللغة كأنها جندي دولة أجنبية في أرض دولة مستقلة، وإسرائيل نجحت أن توقظ من مقبرة التاريخ لغة لا يتحدث بها أكثر من 15 مليون شخص في العالم، وجعلت منها لغة التعليم ، فالطب والفيزياء والكيمياء في إسرائيل يدرس باللغة العبرية وليس باللغة الإنجليزية.

لمَ يغيبُ عن أذهاننا يا قتادة - من منطلق حبنا للوطن وغيرتنا عليه - أن الدول الصناعية تحملُ الراية وتسابق الأمم ولسانُها هو لسانُها؟ وأنّ الدول النامية والفقيرة فقط هي من تقترضُ لغة نهضتها من غيرها؟ ولمَ لا نعي أنه قرضٌ ربويّ وليسَ حَسَنًا؟

يا قتادة في كوريا نجد التعليم - في مختلف مراحله ومتنوّع تخصّصاته - يقدم باللغة الكورية الفصيحة، وتوجد في كوريا حالياً 110 قنوات تلفزيونية كلّها خاصة إلا قناة حكومية واحدة، وجميعها تبثّ باللغة الكورية الفصحى السليمة (طبقًا للسياسة اللغوية للدولة وتحت مراقبتها). ومن الطرائف أن أحد الباحثين عند وصوله أوّل مرّة إلى كوريا لم يعرف طريقه، لأن جميع اللافتات وأسماء المحلات بالكورية فقط والنادر منها - كلافتات السفارات والفنادق الكبرى - يضيف الاسم بالحروف الأجنبية الصغيرة تحت الحروف الكورية الكبيرة، وعندما سأل زميلًا له عن ذلك أجابه قائلاً: "إذا أردت أن تقرأ الأسماء بالإنجليزية فارحل إلى إنجلترا"!

يا قتادة أنا لا أفهم! إذا كانت لدينا حاجة إلى اللغة الإنجليزية فهي حاجة علمية - كما يقولون - وليست حاجة اجتماعية، فلِمَ تتجاوز حدودها؟ تُرى من كان يخاطب ابن تيمية - رحمه الله -  لما قال: "وأما اعتياد الخطاب بغير العربية التي هي شعار الإسلام ولغة القرآن حتى يصير ذلك عادة فلا ريب أن ذلك مكروه فإنه من التشبه بالأعاجم"

وزعموا أنهم يحبون لغة القرآن ولسان محمد صلى الله عليه وسلم فلم يتركوا العربية بل اخترعوا لها أبجدية سهلة، وهو وجهٌ آخر من المأساة (كتابةُ الكلام العربي بحروف إنجليزية)، وفي جوهر ذلك قال إدوارد بنسون مدير مدرسة اللغات الشرقية في لندن: "حذار من استعمال الحروف اللاتينية في كتابة اللغة العربية لأن الحروف العربية هي حروف لغة القرآن، وإذا مسستم الحروف العربية مسستم القرآن، بل هدمتم صرح وحدة الإسلام؛ لأن الإسلام أساسه اللغة العربية، فإذا ضاعت ضاع الإسلام!" ، ألا يوجِعُنا أن يوصيَ بلغةٍ غير لغته وكتابٍ غير كتابه ودينٍ غير دينِه؟

أما الأستاذ عبد القادر حمزة فيكشفُ القناع عن الحقيقة: "فأولى للذين يقولون بالحروف اللاتينية أن يكشفوا القناع عن وجوههم، وأن يقولوا: إنهم يريدون في الحقيقة هدم اللغة العربية". 

إن العقول السوية تربط بين اللغة وبين كل ما تحمله وتنقله اللغة من دين وعلم وتواصل وعاطفة وفكر وإنتاج، وهي عندنا أعمق من ذلك لأنها لغة اختارها الله لآخر كتبه وآخر أنبيائه ورسله صلى الله عليه وسلم، ولغة صحابته الأطهار الذين نتقرب إلى الله بمشابهتهم والاقتداء بهم،  فكيف بنا مع قول ابن تيمية رحمه الله: "واعلم أن اعتياد اللغة يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيرًا قويًا بينًا ويؤثر في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ومشابهتهم تزيد العقل والدين والخلق"

فلنُرجع البصر في حال شباب الجيل دينًا وخُلُقًا وعقلًا واهتمامات وطموحات وقدرات، ثم فلنرجع البصر كرتين ينقلب إلينا بأن اعتياد لغة مرقّعة جعل كل ما وراءها مرقَّعًا، فاللغة وعاء الفكر، فكيف سيكون لدينا فكرٌ بنّاء تحترمه الأمم ويكون بصمتنا على العالم ووعاؤنا إما مقترَضٌ أو مثقّب مرقّع؟!! سنكون كحاملي الماء بأصابع مفتوحة.

يا قتادة إننا حين ننظر إلى المستقبل ننظر إلى تقرير مجلة Science الذي أشار إلى أن العربية ستحتل بحلول سنة 2050 المرتبة الثالثة بين لغات البشر، بعد الصينية والهندية، وقبل الإنكليزية والإسبانية، فهل سنرقبُ يومًا يغزونا فيه العالم بلغة أجدادنا ولغة هويتنا وقرآننا؟


أخيرًا .. لغتُنا ليست مواد دراسية وليست مجرد لغة قومية، بل هي لغة دين.. لغة هوية.. لغة مبدأ... و 

                عـــ ــربيتي = عــ ــقلي!

 

                                                                أسماء بنت إبراهيم الجوير

                                                               معيدة بجامعة الملك سعود

                                                     وعضوة بالندوة العالمية للشباب الإسلامي

                                                                  28 / 4 / 1432هـ


 


5 (1)
تقييم الموضوع (1 الأصوات)
قيم هذا الموضوع
المرفقات
لا يوجد مرفقات لهذا الموضوع
التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا الموضوع. كن أول من يضيف تعليقًا
الاسم كاملًا
البريد الإلكتروني
رمز الحماية Security Code
الموضوعات ذات الصلة RSS Feed
أبناؤنا والسياسة
شوهد 1285 مرة Mon, Feb 6, 2012
وعد.. إن شاء الله
شوهد 1371 مرة Wed, Dec 28, 2011
"نعم، أستطيع"
شوهد 1605 مرة Mon, Dec 5, 2011
كيف تنشئ علاقةً مفتوحةً بينك وبين طفلك؟
شوهد 1643 مرة Sun, Dec 11, 2011
سلاح الزن الفتّاك
شوهد 1921 مرة Sun, Nov 27, 2011